ابن كثير

124

السيرة النبوية

نزلوا إليهم ، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها ، فقال الرجل الثالث الذي معهما : هذا أول الغدر ! فأبى أن يصحبهم . فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل ، فقتلوه . وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة ، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل ، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر ، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات ( 1 ) الحارث يستحد بها فأعارته . قالت : فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه ، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك منى ، وفى يده الموسى فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لافعل ذلك إن شاء الله . وكانت تقول : ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمرة ، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقا رزقه الله . فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال : دعوني أصلى ركعتين ، ثم انصرف إليهم فقال : لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت . فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو . ثم قال : اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا . ثم قال : ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع ( 2 ) قال : ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله ، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشئ من جسده يعرفونه ، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم ( 3 ) يوم بدر ، فبعث الله

--> ( 1 ) اسمها زينب بنت الحارث : أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبا . ( 2 ) أوصال : جمع وصل وهو العضو . والشلو : الجسد والعضو . ( 3 ) قيل : هو عقبة بن أبي معيط .